محمد حسين هيكل
285
حياة محمد ( ص )
أخرج إلينا يا محمد . وآذى نداؤهم النبيّ ، فما كان ليخرج إليهم لولا أن أذّن لصلاة الظهر . فلمّا رأوه ذكروا ما صنع عيينة بأهلهم ، كما ذكروا ما كان لمن أسلم منهم من جهاد إلى جانبه ، وما لقومهم من مكانة بين العرب . ثم قالوا له : إنا جئناك نفاخرك . فأذن لشاعرنا وخطيبنا . فقام خطيبهم عطارد بن حاجب ، فلمّا فرغ دعا رسول اللّه ثابت بن قيس ليردّ عليه . ثم قام شاعرهم الزّبرقان بن بدر فأنشد ، وأجابه حسّان بن ثابت . فلما انتهت المفاخرة ، قال الأقرع بن حابس : وأبى إنّ هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا . وأسلم القوم ؛ فأعتق النبيّ الأسرى وردّهم إلى قومهم . فأمّا بنو المصطلق فإنهم لما رأوا الصيرف فرّ هاربا خافوا عاقبة أمرهم ، وأوفدوا إلى النبيّ من ذكر له أن الخوف في غير محلّ له هو الذي أدّى إلى ما وقع من سوء الفهم . ولم تكن ناحية من نواحي شبه الجزيرة إلا بدأت تحسّ سلطان محمد . ولم تحاول طائفة أو قبيلة أن تقاوم هذا السلطان إلا بعث النبي إليها قوة تحملها على الإذعان بدفع الخراج والبقاء على دينها ، أو الإسلام ودفع الزكاة . تهيؤ الروم للغزو ودعوة النبي لغزوهم وفيما كانت عينه على بلاد العرب جميعا حتى لا ينتقض فيها منتقض ، وحتى يستتبّ الأمن في ربوعها من أقصاها إلى أقصاها ، إذ اتّصل به نبأ من بلاد الروم أنها تهيئ جيوشا لغزو حدود العرب الشمالية غزوا ينسي النسا انسحاب العرب الماهر في مؤتة ، وينسي الناس ذكر العرب وسلطان المسلمين الزاحف في كل ناحية ليتاخم سلطان الروم في الشام وسلطان فارس في الحيرة . واتّصل به هذا النبأ مجسما أيّما تجسيم . فلم يتردد هنيهة في تقرير مواجهة هذه القوى بنفسه ، والقضاء عليها قضاء يقضي في نفوس سادتها على كل أمل في غزو العرب أو في التعرّض لهم . وكان الصيف لما ينته . والقيظ في أوائل الخريف يصل إلى درجات تجعله أشدّ من قيظ الصيف في هذه الصحاري إرهاقا وقتلا . ثم إن الشقّة من المدينة إلى بلاد الشام طويلة شاقّة تحتاج إلى الجلد وتحتاج إلى المؤونة وإلى الماء . إذا لا مفر من أن يطالع محمد الناس بعزمه السير إلى الروم وقتالهم ، حتى يأخذوا لذلك عدّتهم . ولا مفرّ من أن يخالف بذلك تقاليده في سابق غزواته ، حين كان يتوجّه في كثير من الأحيان بجيشه إلى غير الناحية التي إليها يقصد ، تضليلا للعدوّ حتى لا يفشو خبر مسيرته . وأرسل محمد في القبائل جميعا يدعوها للتهيؤ كيما تعدّ أكبر جيش يمكن إعداده ، وأرسل إلى أثرياء المسلمين ليشاركوا في تجهيز هذا الجيش بما آتاهم اللّه من فضله ، وليحرّضوا الناس على الانضمام إليه حتى يكون من الأهبة بما يدخل الروع في نفوس الروم الذين عرفوا بوفرة عدتهم وكثرة عديدهم . تلقي المسلمين دعوة الرسول بم عسى أن يستقبل المسلمون هذه الدعوة إلى هجر أبنائهم ونسائهم وأموالهم في شدّة القيظ ليقطعوا فيافي وصحاري مجدبة قليلة الماء ، ثم ليلقوا عدوّا غلب الفرس ولم يقهره المسلمون ؟ ! أفيدفعهم إيمانهم وحبهم للرسول وشديد تعلّقهم بدين اللّه إلى الإقبال على دعوته متدافعين بالمناكب حتى يضيق بهم فضاء الصحراء دافعين أمامهم أموالهم وإبلهم ، مدرّعين بسلاحهم مثيرين أمامهم من النقع ما إن يكاد يبلغ العدوّ نبؤه حتى يولي الأدبار لا يلوي على شيء ؟ أم تمسكهم مشقّة الطريق وشدة الحرّ ومخافة الجوع والعطش فيتقاعسون ويتراجعون ؟ لقد كان في المسلمين يومئذ من هؤلاء وأولئك : كان فيهم أولئك الذين أقبلوا على الدين بقلوب ممتلئة هدى ونورا ، ونفوس غمرها ضياء الإيمان فلا تعرف غيره ، وكان فيهم من دخل دين اللّه رغبا ورهبا ؛